النقد الحميمي علي سرير بروكست (2

سبتمبر 17, 2007

النقد الحميمي علي سرير بروكست (2 – 2)
2007/09/09
في رده يتساءل بن حمودة عن السبب الذي جعلني انشر مقالي في صحيفة القدس وليس في ملحق الرواق الذي أشرف عليه، وذلك ليصل إلي الاستنتاج الذي يقول فيه: هل تتسع الصفحة التشكيلية التي يشرف عليها عمر لمجمل قضايا الممارسة التشكيلية، فإذا كانت هذه الأخيرة أوسع بكثير من صفحة تشكيلية، فإنه حتي في حال أشرف عليها شخص واسع المقبولية ومعني بما هو كلي فلن تتحول الجريدة إلي كتاب ولن يصبح المنبر المدني منبرا مختصرا ومستنيرا.
من الواضح أن السيد بن حمودة لم يقرأ جيدا مقالي في جريدة القدس. وربما هو تغافل علي ما قرأه في ملحق الرواق حيث أنني كتبت في موضوع انتحاله لصفة ناقد تونسي وقائمته الجهوية في مناسبتين. كذلك نشرنا في نفس الموضوع مقالين الأول حمل إمضاء الرسام إبراهيم الغزابي وقد ذكره فيه بالاسم والثاني حمل رأي الباحث ومؤرخ الفن حسين التليلي. كل ذلك قبل نشرنا المقال الصادر بجريدة القدس. وقد قامت جريدة الشعب الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل بنشره مشكورة.
أما ملحق الرواق، فإنه ليس مجرد صفحة كما ادعي بن حمودة بل هو أربع صفحات بحجم التبلويد. يضم أركانا متعددة إخبارية وتحليلية وهو ينشر دوريا نصوصا معمقة لفنانين مختصين وأكاديميين نجحوا بسبب شغفهم في تطويع معارفهم؛ وملحق الرواق الذي تجاوز عقدا من الوجود اجتهد ولا يزال في أن يكون مرآة عاكسة لما يجول في المشهد التشكيلي التونسي من رؤي وتوجهات، ذلك لأنه منبر وهو محل استفادة عديد الطلبة والمهتمين، بدليل صدور دراسات جامعية حوله سواء في المعاهد العليا للفنون الجميلة أو في معهد الصحافة وعلوم الأخبار.
من حق بن حمودة أن لا ينتبه لأهمية مثل هذه الوسائط ذلك لأنه لا يمتلك وعيا بوظائفها وهو الذي يدعي المعاصرة مما يجعله يسقط في مقارنات تفضيلية بين الصحيفة والكتاب وحتي الندوات غير عالم أو متناسيا أن الوسائط ما هي إلا ظواهر تاريخية بالأساس تتحول وتنمو وفق تطور البشرية وذلك منذ الألواح الطينية وصولا إلي الوسائط الاتصالية الحديثة كالانترنيت والمدونة التي يمكننا من الآن التنبؤ بما يمكن أن تحدثه من انقلاب راديكالي في مجال الاتصال وحرية التعبير وأنا أدعو بن حمودة وشقرون إلي قراءة، أو إعادة قراءة، كتاب ريجيس دوبرييه الميديولوجيا (9) والذي هو أيضا من الكتب المرجعية في تاريخ الفن وافتح هنا قوسا لأتحدث عن تاريخ الفن، فالأخير اختصاص أساسي في تكوين كل ناقد، إلا أن هذا الاختصاص غير موجود في تونس باستثناء بعض الدروس التي يقع توصيفها بدون أي مواصفات أكاديمية جدية بأنها شهادات في تاريخ الفن كما ذهب إلي ذلك الناقد والباحث طارق الكحلاوي، الأستاذ بجامعة بينسلفانيا الأمريكية والذي اعتز شخصيا بمقالاته المنشورة بملحق الرواق.
منذ سنتين وتحديدا يومي 18 و19 نيسان (ابريل) 2005 نظمت جامعة لياج البلجيكية ومركز والون للفن المعاصر ندوة حول النقد والوسائط الاتصالية وكانت من بين المداخلات المقدمة في الندوة مداخلة للناقد جاك باريس Jacques parie، تحدث فيها عن دور الناقد معتبرا إياه أحد مكونات من اسماهم بـ عملة الثقافة الذين لا يعتبرون الثقافة ميدانا مخصوصا لأصحاب الامتيازات المادية أو التعليمية أو العائلية، بل هي ميدان يتسع لكل مهتم شغوف راغب، مثلا، في تخطي رواسب اليومي نحو ما هو روحي إذ علي الناقد أن يقول لهؤلاء تعالوا، وذلك بوازع تحقيق العدالة لهذا الجمهور الذي يستحق أكثر مما تقدمه له صفحات الرياضة والموضة والوصول إلي هذا الجمهور هو الذي يمنح للناقد غبطة أصلية.(10)
ربما بن حمودة، لا يعرف أين نشر شارل بودلير نصوصه النقدية ربما لأنه نشرها باسم مستعار هو دايفوس بودلير لكن هناك أيضا بلزاك ولعله ليس من باب الصدفة أن ترتبط ولادة الفن الحديث مع الانطباعيين ونصوص بودلير النقدية، والتي جذورها مستمرة إلي غاية اليوم، بما شهده المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر من تنامي لحرية التعبير والمواطنة وتطور تقنيات الطباعة وظهور الصحف والدوريات بما لم يشهده التاريخ من قبل. ثم أليس كل ما في داخلنا وما يحيطنا هو وسيط، يعبر من خلالنا ونعبر من خلاله، بدءا من الحواس والهواء الذي نتنفس وصولا إلي اللغة والأثر الفني مرورا بالجريدة والكتاب وحتي الأكلة. إن الانعزالية والغياب تجعل الذهن عاجزا عن الإنصات لروح العصر والتأثير فيه إيجابيا. فالمثقف والناقد الشغوف الملتزم يمكنه تطويع مناهجه وأفكاره لأي وسيط ولعل هذا ما ذهب إليه عبده وازن في مقال عنوانه عزلة النقد استهله كالآتي: أوغل النقد في المعميات نظريا وتطبيقا وأضحي بعيدا عن تناول القراء علي اختلافهم، ليصل عبده وازن في نهاية مقاله إلي ذكر أسماء نقاد عديدين أدركوا النخبوية التي تحاصر أعمالهم فخرجوا إلي الصحافة المكتوبة متكئين علي ثقافتهم الشاملة والعميقة ومستعيدين بعض ملامح النقد الانطباعي الحدسي ويذكر هنا أسماء تزفتان تودوروف وامبرتو ايكو وجوليا كريستيفا وفليب سولزر ومن العرب جابر عصفور ومحمد برادة وفيصل دراج وعبد الله الغذامي(11). لو كان بن حمودة وأمثاله غير منتحلين لصفة الناقد بكل ما تعنيه تلك الصفة من مكابدة وإنصات ومعايشة وامتحان للمفاهيم والنظريات لاعتبر نفسه محظوظا للعيش في هذا العصر الذي فتح أمامنا كل هذه الدروب الاتصالية التي نسفت كل الحدود. أما لو كان فنانا ـ وهي صفة لم يدّعها ولله الحمد ـ فإنه سيشعر بنخوة الانتماء لهذا العصر الذي أصبحت فيه الفنون كما الآداب أكثر التصاقا بأساليب كانت وإلي حد قريب منتمية إلي الحقل الإعلامي كالريبورتاج والشريط التسجيلي أننا نعيش في عصر فقدت فيه الأنساق المعهودة الكثير من صلاحيتها وفقدت فيه عديد الوظائف الكثير من مشروعيتها بما فيه وظيفة النقد، نحو مفهوم جديد يسمي القراءة الثقافية التي تأخذ في الحسبان ما يجول حولنا من تفاعل ثقافي وسياسي واقتصادي. وذلك وفق أطروحات الناقد البريطاني تيري إيجلتون الذي يلخص القراءة الثقافية كخلاص من النظرية التي أصبحت مغلقة علي نفسها وأشبه بالممارسة السحرية تنعكس علي ذاتها ولا يمكن إسنادها إلي مرجع، مما يستوجب، وكما ذهبت إلي ذلك أطروحات مفكرين آخرين مثل الراحل ادوارد سعيد وصل النقد بالعالم والعودة مجددا إلي التأمل في العلاقة المعقدة التي تقوم بين النصوص والعيش اليومي للبشر(12).

نقاد الله المختارون

عموما هذه بعض الأفكار والمقاربات المقتضبة والتي اتخذت من ردّي شقرون وبن حمودة تعلة لطرحها، وذلك رغم أنني لم أجد في رديهما أدني إجابة عن تلك الأسئلة والاتهامات الصريحة التي احتواها مقالي سواء فيما تعلق بما انتحلوه، دون حق، من صفة لا يملكانها أو من ناحية ما اتهمناهما به من جهوية، حيث نجد في رديهما تسليما بها وكأنها معطي قدري لا فكاك منه، إذ يقول شقرون: أما وقد أنجبت هذه المدينة كل الكفاءات التونسية التي ذكرها صاحب المقال في مجال النقد الفني، فذلك هبة من السماء أما محمد بن حمودة ورغم ما يبديه من فتوحات في النظرية إلا أن ذلك بقي نظريا أيضا إذ يقول ..وكما هو معلوم فإن الجهوية معطاة أما الكوسمبوليتية فإنها منشأة .

ہ ناقد من تونس
aghdamsi@yahoo.fr
إحــــالات

(1) الأكاديمية: والمقصود بها تحديدا هنا البرنامج التلفزيوني ستار أكاديمي إذ لم نجد علاقة بين النقد كممارسة حميمية كما جاء في تعريف الأكاديميين بن حمودة وشقرون وبين المؤسسة الأكاديمية بمفاهيمها العلمية والمنهجية الصارمة.
(2) جيل دولوز: الدروس. الدرس المقدم 28 نيسان (ابريل) 1981 أنظــــر: الموقع الالكتروني الخاص بدروس وفكر جيل دولوز
www.webdeleuze.com
(3) ج- هيو سلقرمان: نصيات بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، منشورات المركز الثقافي العربي ص 236.
(4) جاك دريدا: الحقيقة في التصوير بالفرنسية منشورات فلاماريون باريس 1978 ص 328.
(5) ألان باونيس: الفن الأوروبي الحديث ترجمة فخري خليل مراجعة جبرا ابراهيم جبرا. منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص 30.
(6) يقول العرب القدامي كن عصاميا ولا تكن عظاميا. ويقال أن الحجاج أراد اختبار أحدهم بسؤاله عصامي أنت أم عظامي؟ أي هل أنك تفتخر بآبائك الذين صاروا عظاما.
(7) فيصل دراج، نشر المقال تحت العنوان المذكور بموقع البلاغ الالكتروني
www.balagh.com
(8) بروكست هو قاطع طريق في الميثولوجيا الإغريقية كان يمدد ضحاياه علي سريره، فإذا كان الجسد الممدد أطول من حجم السرير يقطع الجزء الزائد وإذا كان العكس فإنه يقوم بتمطيط جسد الضحية ليصبح في حجم السرير.
(9) وهو كتاب علم الإعلام العام، درس فيه دوبرييه كل الوسائط المادية التي يتجسد عبرها الكلام وذلك وفق التقسيم الآتي:
ـ مرحلة الإعلام الخطابي، الكلام، والمتوافقة مع عصر الكتابة والعبادة.
ـ مرحلة الإعلام الخطي، الكتابة، والمتوافقة مع عصر الفن من الطباعة إلي بداية التلفزة.
ـ مرحلة الفيديو، أنا أري، متوافقة مع عصر البصر.
ـ انظر كتاب ريجيس دوبرييه محاضرات في الإعلام العام ، الميديولوجيا: ترجمة شاهين وجورجيت حداد (بيروت دار الطليعة 1996).
(10) قدم الناقد والصحافي آلان دولونوان ملخصا لهذه الندوة لفائدة جريدة لوســـــــوار البلجــــيكية انظر:
www.legrandjardin.com
(11) عبده وازن مقال عزلة النقد الأدبي جريدة الحياة الصادرة بتاريخ 11/12/2006.
(12) جاء هذا المفهوم في سياق إعادة تيري ايغلتون قراءة لمفهوم الثقافة من ذلك قوله: ليس بالثقافة وحدها يحيا الإنسان وليس بالثقافة حتي في أرحب معانيها، وثمة علي الدوام ما هو ضمن الثقافة مما يعوقها ويصدها ويحرفها باتجاه الكلام العنيف أو الخالي من الحسة، أو يزرع فيها بقية من الهراء المحض، أنظر كتابه فكرة الثقافة ترجمة ثائر ديب. منشورات دار الحوار 2007.

Entry Filed under: Kolyom. وسوم: , .


الأرشيف

c

Flickr Photos

Camden street

watching the fantasies decay *Explored

whip smart

More Photos

Kolyom

منوعات

صفحات

أحدث التعليقات

Gdedouy on وفاة الفنان يوسف شاهين
Gdedouy on مفتي السعودية ينتقد المسلسلات …
hanaaabueid on رؤية: شعراء الانحطاط الجميل (م…
hanaaabueid on د. أفنان القاسم يكتب عن محمود…
hanaaabueid on هيئة التحرير

أحدث التدوينات

Top Posts

Top Clicks

سحابة التصنيفات

Kolyom

Blog Stats

Watch videos at Vodpod and other videos from this collection.

Spam Blocked

Feeds